فصل: تفسير الآية رقم (160):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (155):

{إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155)}
يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن الذين تولوا منكم} وانهزموا يوم أحد؛ {يوم التقى الجمعان} جمع المسلمين وجمع الكفار إنما كان السبب في انهزامهم أن الشيطان {استزلهم}، أي: طلب زللهم فأطاعوه، أي: زين لهم الفرار فأطاعوه، بسبب بعض {ما كسبوا} من الإثم، كمخالفة أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم، والحرص على الغنيمة، وذنوب اقترفوها قبل الجهاد، فإن المعاصي تجر بعضها بعضاً، كالطاعة، {ولقد عفا الله عنهم} فيما فعلوا من الفرار؛ لتوبتهم واعتذارهم؛ {إن الله غفور} للذنوب، {حليم} لا يعاجل بعقوبة المذنب كي يتوب.
الإشارة: إن الذين تولوا منكم يا معشر الفقراء، ورجعوا عن صحبة الشيوخ، حين التقى في قلبهم الخصمان: خصم يرغبهم في الثبوت، وخصم يدلهم على الرجوع، ثم غلب خصم الرجوع فرجعوا، إنما استزلهم الشيطان بسوء أدبهم، فإن تابوا ورجعوا، أقبلوا عليهم، وقَبل الله توبتهم، وعفا عنهم، فإنه سبحانه غفور حليم.

.تفسير الآية رقم (156):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156)}
قلت: {غُزّي}: جمع غازٍ، كعافٍ وعفى، وإنما وضع {إذا} موضع {إذ}؛ لحكاية الحال،
يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا} ونافقوا، كعبد الله بن أُبي، وأصحابه، {وقالوا لإخوانهم} في النسب، أو في المذهب، أي: قالوا لأجلهم أو في شأنهم، {إذا ضربوا في الأرض} أي: سافروا للتجارة أو غيرها فماتوا، {أو كانوا غُزًّى} أي: غازين فقتلوا في الغزو: {لو كانوا عندنا} مُقيمين {ما ماتوا وما قتلوا}، وإنما نطقوا بذلك {ليجعل الله ذلك} القول الناشئ عن الاعتقاد الفاسد {حسرة في قلوبهم} بالاغتمام على ما فات، والتحسر على ما لم يأت، {والله} هو {يحيي ويميت} بلا سبب في الإقامة والسفر، فليس يمنع حذر من قدر، {والله بما تعملون}، أيها المؤمنون {بصير}، ففيه تهديد لهم على أن يُماثلوا المنافقين في هذا الاعتقاد الفاسد، ومن قرأ بالياء فهو تهديد لهم. والله تعالى أعلم.
الإشارة: لا ينبغي للأقوياء من أهل اليقين أن يتشبهوا بضعفاء اليقين، كانوا علماء أو صالحين أو طالحين، حيث يقولون لإخوانهم إذا سافروا لأرض مخوفة أو بلد الوباء. لو جلسوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، وما دَرَوْا أن الله قدَّر الآجال كما قدَّر الأرزاق وجميع الشؤون والأحوال، وعيَّن لها أوقاتاً محدودة في أزله، فكل مقدور يبرز في وقته، ما من نَفَسٍ تبديه، إلا وله قدر فيك يمضيه، فما قدَّره في سابق علمه لابد أن يكون، وما لم يقدره لا يكون، ولا تجلبه حركة ولا سكون. ولله در القائل:
مَا لاَ يُقَدَّرُ لاَ يَكُونُ بِحِيلَةٍ ** أَبَداً وَمَا هُوَ كائِنٌ سَيكُونُ

سَيَكُونُ ما هُوَ كائنٌ في وَقْتِهِ ** وَأخُو الجَهَالَةِ مُتْعَبٌ مَحْزُونُ

يَجْرِي الحَريصُ ولا يَنَالُ بِحرْصِهِ ** شَيْئاً ويَحْظَى عَاجِزٌ وَمَهِينٌ

فَدعَ الهُمُومَ تَعَرَّ مِنْ أثْوابِهَا ** إنْ كانَ عِنْدَكَ بالْقَضَاءِ يَقِينُ

هَوِّنْ عَلَيْكَ وَكُنْ بِرَبِّكَ وَاثِقاً ** فَأخُوا الحَقِيقَةِ شَأنُه التَّهْوِينُ

وكان سيدنا عمر رضي الله عنه يتمثل بهذه الأبيات:
فَهَوَّنْ عَلَيْكَ فَإنَّ الأُمُورَ ** بكفِّ الإلَهِ مَقَادِيرُهَا

فَلَيْسَ يَأتِيكَ مَصْرُوفُهَا ** ولا عَازِبٌ عَنْكَ مَقْدُورُها

وكل من لم يحقق الإيمان بالقدر لا ينفك عن الحسرة والكدر، ومن أراد النعيم المقيم فليثلج صدره ببرد الرضا والتسليم، ومن أراد الروح والريحان فعليه بجنات العرفان، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواءه الطريق.

.تفسير الآيات (157- 158):

{وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)}
قلت: إذا اجتمع القسم والشرط ذكر جواب الأول وأغنى عن الثاني، فقوله: {لمغفرة}: جواب القسم، أغنى عن جواب {إن}، والتقدير: إن قتلتم في سبيل الله غفر الله لكم، ثم سد عنه {لمغفرة...} إلخ، ومن قرأ: {مِتم} بكسر الميم، فهو من: مات يمات، كهاب يهاب هِبتُ، وخاف يخاف خِفتُ، ومن قرأ بالضم: فمن مات يموت، كقال يقول قُلت.
يقول الحقّ جلّ جلاله: إن السفر والغزو ليس هما مما يجلب الموت أو يقدم الأجل، وعلى تقدير: لو وقع ذلك وحضر أجلكم فيه وقتلتم {في سبيل الله} بالسيف، {أو متم} حتف أنفكم، لما تنالون من المغفرة والرحمة والروح والريحان {خير مما تجمعون} من حطام الدنيا الفانية لو لم تموتوا، وعلى أي وجه متم أو قتلتم فلا تحشرون إلا إلى الله، لا إلى أحد غيره، فيوفى جزاءكم ويعظم ثوابكم، وأما البقاء في الدنيا فلا مطمع لأحد فيه، سافر أو قعد في بيته، وقدَّم أولاً القتل على الموت وأخره ثانياً؛ لأن الأول رتب عليه المغفرة والرحمة، وهما في حق من فتل في الجهاد أعظم ممن مات بغيره، فقدمه؛ اعتناء به، وفي الثاني رتب عليه الحشر، وهو مستوٍ في القتل والموت، فلا مزية فيه للقتل على الموت. والله أعلم.
الإشارة: ولئن قتلتم نفوسكم وبذلتم مهجكم في طلب محبوبكم، فظفرتم بالوصول إليه قبل موتكم، أو متم في السير قبل الوصول إلى محبوبكم، لما تنالون من كمال اليقين وشهود رب العالمين، أو من المغفرة والرحمة التي تضمكم إلى جواره، خير مما كنتم تجمعون من الدنيا قبل توجهكم إليه، فإن الموت والحشر مكتوب على كل مخلوق، فيظهر فوز المجاهدين والمتوجهين، وغبن القاعدين المستوفين. وبالله التوفيق.

.تفسير الآية رقم (159):

{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)}
قلت: {فبما}: صلة. والفظ، الجافي، يقال: فظ فظاظةً وفظوظاً، ورجل فظ، وامرأة فظة، والفض- بغير المشالة: التفرق، ويطلق على الكسر، ومنه: لا يفضض الله فاك.
يقول الحقّ جلّ جلاله: فبرحمة من الله ونعمة كنت سهلاً ليناً رفيقاً، فحين عصوا أمرك، وفروا عنك، ألنت لهم جانبك، ورفقت بهم، بل اغتممت من أجلهم مما أصابهم، {ولو كنت فظّاً} جافياً سيئ الخلق {غليظ القلب} قاسيَهُ فأغلظت لهم القول، {لانفضوا من حولك} أي: لتفرقوا عنك، ولم يسكنوا إليك، {فاعف عنهم} فيما يختص بك، {واستغفر لهم} في حق ربك حتى يشفعك فيهم {وشاورهم في الأمر} الذي يصح أن يشاور فيه؛ تطييباً لخاطرهم، ورفعاً لأقدارهم، واستخراجاً وتمهيداً لسنة المشاورة لغيرهم، وخصوصاً الأمراء.
قال عليه الصلاة والسلام: «ما شقا عبد بمشورة، وما سعد باستغناء برأي» قال أيضاً: «مَا خَابَ من اسْتَخَارَ، وَلاَ نَدِمَ من اسْتَشَارَ» وقال أيضاً- عليه الصلاة والسلام- «إذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ أَسخيَاءَكُمْ، وأَمرُكُم شُورَى بَيْنَكُم، فَظَهْرُ الأرْض خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا. وإذا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلاءَكُمْ، ولم تكن أموركم شُورَى بَيْنَكُم، فبَطْنُ الأرْضِ خَيرٌ من ظَهْرِهَا».
{فإذا عزمت} على شيء بعد الشورى، {فتوكل على الله} أي: ثق به وكيلاً، {إن الله يحب المتوكلين} فينصرهم ويهديهم إلى ما فيه صلاحهم.
الإشارة: ما اتصف به نبينا- عليه الصلاة والسلام- من السهولة والليونة والرفق بالأمة، اتصفت به ورثته من الأولياء العارفين، والعلماء الراسخين، ليتهيأ لهم الدعوة إلى الله، أو إلى أحكام الله، ولو كانوا فظاظاً غلاظاً لانفض الناس من حولهم، ولم يتهيأ لهم تعريف ولا تعليم، فينبغي لهم أن يعفوا ويصفحوا ويغفروا ويصبروا على جفوة الناس، ويستغفروا لهم، ويشاوروهم في أمورهم، اقتداء برسولهم، فإذا عزموا على إمضاء شيء فليتوكلوا على الله؛ {إن الله يحب المتوكلين}.
قال الجنيد- رضي الله عنه-: (التوكل أن تقبل بالكلية على ربك وتعرض عمن دونه). وقال الثوري: أن تفني تدبيرك في تدبيره، وترضى بالله وكيلاً ومدبراً، قال الله تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} [النِّساء: 81]. وقال ذو النون: (خُلع الأرباب، وقطع الأسباب) وقال الخواص: قطع الخوف والرجاء مما سوى الله تعالى. وقال العرجي: رد العيش إلى يوم واحد، وإسقاط هم غد. اهـ. وقال سهل: معرفة معطي أرزاق المخلوقين، ولا يصح لأحد التوكل حتى تكون عنده السماء كالصفر والأرض كالحديد، لا ينزل من السماء قطر، ولا يخرج من الأرض نبات، ويعلم أن الله لا ينسى له ما ضمن من رزقه بيه هذين. اهـ. وقيل: هو اكتفاء العبد الذليل بالرب الجليل، كاكتفاء الخليل بالخليل، حين لم ينظر إلى عناية جبريل.
وقيل لبهلوان المجنون: متى يكون العبد متوكلاً؟ قال: إذا كان بالنفس غريباً بين الخلق، وبالقلب قريباً إلى الحق.
وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَرَّهُ أنْ يَكُونَ أكْرَم النَّاسِ فَلْيَتقِ الله، ومَنْ سَرَّه أن يكُون أغْنَى النَّاس فيكنِ بما في يد الله أوثق منه بما في يَده».
قال ابن جزي: التوكل هو الاعتماد على الله في تحصيل المنافع وحفظها بعد حصولها، وفي دفع المضرات ورفعها بعد وقوعها، وهو من أعلى المقامات، لوجهين: أحدهما: قوله: {إن الله يحب المتوكلين}، والآخر: الضمان الذي في قوله: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطّلاَق: 3]، وقد يكون واجباً لقوله: {وَعَلَى اللَّهِ كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المَائدة: 23]، فجعله شرطاً في الإيمان، ولظاهر قوله: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونِ} [آل عِمرَان: 122]؛ فإن الأمر محمول على الوجوب.
واعلم أن الناس في التوكل على ثلاث مراتب:
الأولى: أن يعتمد العبد على ربه، كاعتماد الإنسان على وكيله المأمون عنده، الذي لا يشك في نصحيته له وقيامه بمصالحه. الثانية: أن يكون العبد مع ربه كالطفل مع أمه؛ لا يعرف سواها ولا يلجأ إِلاَّ إليها. الثالثة: أن يكون العبد مع ربه كالميت بين يدي الغاسل، قد أسلم إليه نفسه بالكلية.
فصاحب الدرجة الأولى عنده حظ من النظر لنفسه، بخلاف صاحب الثانية. وصاحب الثانية له حظ من الاختيار، بخلاف صاحب الثالثة. وهذه الدرجات مبنية على التوحيد الخاص، الذي تكلمتُ عليه في قوله: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ} [البَقَرَة: 163]، فهي تقوى بقوته وتضعف بضعفه.
فإن قيل: هل يشترط في التوكل ترك الأسباب أم لا؟ فالجواب: أن الأسباب على ثلاثة أقسام:
أحدها: سبب معلوم قطعاً قد أجراه الله، فهذا لا يجوز تركه؛ كالأكل لرفع الجوع وللباس لرفع البرد.
الثاني: سبب مظنون: كالتجارة وطلب المعاش، وشبه ذلك، فهذا لا يقدح فعله في التوكل، فإن التوكل من أعمال القلوب لا من أعمال البدن، ويجوز تركه لمن قوي عليه.
والثالث: سبب موهوم بعيد، فهذا يقدح فعله في التوكل، قلت: ولعل هذا مثل طلب الكيمياء والكنوز وعلم النار والسحر، وشبه ذلك.
ثم فوق التوكل التفويض، وهو: الاستسلام لأمر الله تعالى بالكلية، فإن المتوكل له مراد واختيار، وهو يطلب مراده في الاعتماد على ربه، وأما المفوض فليس له مراد ولا اختيار، بل أسند الاختيار إلى الله تعالى، فهو أكمل أدباً مع الله. اهـ. وأصله للغزالي، وسيأتي بقية الكلام عند قوله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الذي لاَ يَمُوتُ} [الفُرقان: 58]. وبالله التوفيق.

.تفسير الآية رقم (160):

{إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160)}
يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن ينصركم الله} كما نصركم يوم بدر، {فلا غالب لكم} من أحد من الناس، {وإن يخذلكم} كما خذكم يوم أحد، {فمن} هذا {الذي ينصركم من بعده} تعالى، أي: فلا ناصر سواه. وهذا تنبيه على الحث على التوكل، وتحريض على ما يستوجب به النصر، وهو الاعتماد على الله، وتحذير مما يستوجب الخذلان، وهو مخالفة أمره وعصيان رسوله، أو الاعتماد على غيره، ولذلك قال: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون}؛ لِمَا علموا ألا ناصر سواه.
الإشارة: إن ينصركم الله على مجاهدة النفوس، ودوام السير إلى حضرة القدوس، فلا غالب لكم من النفس، ولا من الناس ولا من الهوى ولا من الشيطان، وإن يخلذكم- والعياذ بالله- فمن ذا الذي ينصركم من بعد خذلانه لكم؟ فليعتمد المريد في سيره على مولاه، وليستنصر به في قطع حظوظه وهواه، فإنه لا ناصر له سواه. وأنشدوا:
إِذَا كَانَ عُوْنُ اللّهِ لِلمَرْءِ نَاصِراً ** تَهَيَّأ لَهُ مِنْ كُلِّ صَعْبِ مُرَادُهُ

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِن اللّهِ للْفَتَى ** فَأَكْثَرُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ

وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

.تفسير الآية رقم (161):

{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161)}
قلت: الغلول: السرقة من الغنائم، فمن قرأ بفتح الياء وضم الغين، فمعناه: لا ينبغي له أن يأخذ شيئاً من الغنيمة خفية، والمراد: تبرئة رسوله- عليه الصلاة والسلام- من ذلك. ومن قرأ بضم الياء ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون المعنى، ما كان لنبي أن يُخان، أي: أن تخونه أُمّتُه في المغانم، وكذلك الأمراء، وإنما خص النبيَّ صلى الله عليه وسلم بذلك؛ لبشاعة ذلك مع النبيّ؛ لأن المعاصي تعظم بحضرته، والثاني: أن يكون المعنى: ما كان لنبي أن يُنسب إلى الخيانة؛ كقوله: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكّذِّبُونَكَ} [الأنعَام: 33] أي: لا ينسبونك إلى الكذب.
يقوله الحقّ جلّ جلاله: {ما كان} ينبغي {لنبيٍّ أن يغل} ويأخذ شيئاً من الغنيمة خفية؛ لأن ذلك خيانة والنبوة تنافي ذلك، والمراد: نزاهة الرسول- عليه الصلاة والسلام- عن ذلك، كقوله: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} [مريَم: 35]، ودفعُ ما توهمه الرماة، فقد رُوِيَ أنه- عليه الصلاة والسلام-قال لهم لما تركوا المركز: «ألمْ أعْهَد إليكُمْ ألا تَتْركُوا المركَزَ حتَّى يأتيكُمْ أمْري؟» قالوا: تَرَكْنا بقية إخْوانِنَا وُقوفاً، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «بل ظَننْتُم أنّا نَغُلّ ولا نقْسِمُ لكُمْ» فنزلت الآية. وقيل إنه- عليه الصلاة والسلام-: بعث طلائع، فغنم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقسم على من معه فقط، فنزلت، فاسترجع ذلك منهم. وقيل: في قطيفة حمراء فُقدت يوم بدر، فقال المنافقون: لَعَلَّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَهَا، فنزلت.
ثم ذكر وعيد الغلول، فقال: {ومن يَغْلُلْ يأت بما غَلَ يوم القيامة} أي: يأتي بالذي غله يحمله على رقبته، قال عليه الصلاة والسلام: «لا ألقى أحَدكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ يَجِيءُ على رَقَبته بَعِيرٌ لَهُ رُغَاء، أوْ بَقَرَةٌ لَهَ خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعَرُ» ثم قال: «اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ ثلاثاً» كما في البخاري.
{ثم توفّى كل نفس} جزاء {ما كسبت} تاماً، {وهم لا يظلمون} بنقص ثواب مُطيعهم، ولا يزاد على عقاب عاصيهم وكان اللائق بما قبله أن يقول: ثم يوفى ما كسب. لكنه عمم الحكم؛ ليكون كالبرهان على المقصود والمبالغة فيه، وأنه إذا كان كل كاسب مجزياً بعمله، فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى. قاله البيضاوي.
الإشارة: ما قيل في النبيّ- عليه الصلاة والسلام- يقال في ورثته الكرام، كالأولياء والعلماء الأتقياء، فإنهم ورثة الأنبياء، فيُظن بهم أحسن المذاهب، ويلتمس لهم أحسن المخارج، لأن الأولياء دلّوا على معرفة الله، والعلماء دلّوا على أحكام الله، وبذلك جاءت الرسل من عند الله، فلا يظن بهم نقص ولا خلل، ولا غلول ولا دخل، فلهم قسط ونصيب من حرمة الأنبياء، ولاسيما خواص الأولياء، ومن يظن بهم نقصاً أو خللاً، ويغل قلبه على شيء من ذلك، فسيرى وباله يوم تفضح السرائر، {ثم توفّى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}، فلحوم الأولياء والعلماء سموم قاتلة، وظن السوء بهم خيانة حاصلة. والله تعالى أعلم.